ابن الأثير
65
الكامل في التاريخ
فرغ منها سار عنها إلى من على عكّا من الفرنج ، فوصل إليهم في خمس وعشرين قطعة كبارا مملوءة رجالا وأموالا ، فعظم به شرّ الفرنج ، واشتدّت نكايتهم في المسلمين . وكان رجل زمانه شجاعة ومكرا وجلدا وصبرا ، وبلي المسلمون منه بالداهية التي لا مثل لها . ولمّا وردت الأخبار بوصوله أمر صلاح الدين بتجهيز بطسة كبيرة مملوءة من الرجال والعدّة والقوت ، فجهّز وسيّرت من بيروت ، وفيها سبع مائة مقاتل ، فلقيها ملك إنكلتار مصادفة ، فقاتلها ، وصبر من فيها على قتالها ، فلمّا أيسوا من الخلاص نزل مقدّم من بها إلى أسفلها ، وهو يعقوب الحلبيّ مقدّم الجنداريّة ، يعرف بغلام ابن شقتين ، فخرقها خرقا واسعا لئلّا يظفر الفرنج بمن فيها وما معهم من الذخائر ، فغرق جميع ما فيها . وكانت عكّا محتاجة إلى رجال لما ذكرناه من سبب نقصهم ، ثمّ إنّ الفرنج عملوا دبّابات وزحفوا بها [ فأحرق المسلمون بعضها وأخذوا بعضها ، ثمّ عملوا كباشا وزحفوا بها ] ، فخرج المسلمون وقاتلوهم بظاهر البلد ، وأخذوا تلك الكباش ، فلمّا رأى الفرنج أنّ ذلك جميعه لا ينفعهم عملوا تلّا كبيرا من التراب مستطيلا ، وما زالوا يقرّبونه إلى البلد ويقاتلون من ورائه لا ينالهم من البلد أذى ، حتّى صار على نصف علوّه ، فكانوا يستظلّون به ، ويقاتلون من خلفه ، فلم يكن للمسلمين فيه حيلة لا بالنار ولا بغيرها ، فحينئذ عظمت المصيبة على من بعكّا من المسلمين ، فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرّفونه حالهم ، فلم يقدر لهم على نفع .